الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

184

تفسير روح البيان

كالفلك في بحر الحقيقة إذ لو لم يكن هذا الفلك ما تيسر لاحد العبور على بحر الحقيقة والمقصود منه جذبة العناية إذ هي ليست بمكتسبة للخلق بل من قبيل الفضل فعلى من يريد النيل إلى هذه الجذبة ان يسير بقدمي العلم والعمل : قال في المثنوى رهرو راه طريقت اين بود * كاو باحكام شريعت مىرود ومنها ان الاعراض عن الحق بالكفران يؤدى إلى الخسران قال الجنيد لو اقبل صديق على اللّه الف سنة ثم اعرض عنه لحظة فان ما فاته أكثر مما ناله قال أوحد المشايخ في وقته أبو عبد اللّه الشيرازي رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المنام وهو يقول من عرف طريقا إلى اللّه فسلكه ثم رجع عنه عذبه اللّه تعالى بعذاب لم يعذب به أحدا من العالمين درين ره دائما ثابت قدم باش * برو از رهزن غم بي ألم باش ز بازار توجه رو مكردان * همه سودى كه خواهى اندرين دان ومنها ان جميع الجوانب والجهات متساوية بالنسبة إلى قدرته تعالى وقهره سلطانه لا ملجأ ولا منجى منه الا اليه فعلى العبد ان يستوى خوفه من اللّه في جميع الجوانب حيث كان فان اللّه كان متحليا بجماله وجلاله في جميع الاينيات ولذا كان أهل اليقظة والحضور لا يفرقون بين اين واين وبين حال وحال لمشاهدتهم إحاطة اللّه تعالى فان اللّه تعالى لو شاء لأهلك من حيث لا يخطر بالبال ألا ترى انه أهلك النمرود بالبعوض فكان البعوض بالنسبة إلى قدرته كالأسد ونحوه في الا هلاك وربما رأيت من غص بلقمة فمات فانظر في ان تلك اللقمة مع أنها من أسباب الحياة كانت من مبادى الممات فاماته اللّه من حيث يدرى حياته فيه ولو أمعنت النظر لوجدت شؤون اللّه تعالى في هذا العالم عجيبة هر كرا خواهد خدا آرد بچنك * نيست كس را قوت بازوى جنك قال اللّه تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ التكريم والا كرام بمعنى والاسم منه الكرامة والمعنى [ بالفارسية وهر آيينه كرامى كرديم فرزندان آدم را ] قال المولى أبو السعود بني آدم قاطبة تكريما شاملا لبرهم وفاجرهم وفي التأويلات النجمية خصصناهم بكرامة تخرجهم من حيز الاشتراك وهي على ضربين جسدانية وروحانية فالكرامة الجسدانية عامة يستوى فيها المؤمن والكافر وهي تخمير طينته بيده أربعين صباحا وتصويره في الرحم بنفسه وانه تعالى صوره فأحسن صورته وسواه فعدله في أي صورة ما شاء ركبه ومشاه سويا على صراط مستقيم مستقيم القامة أخذا بيديه آكلا بأصابعه مزينا باللحى والذوائب صانعا بأنواع الحرف والكرامة الروحانية على ضربين خاصة وعامة فالعامة أيضا يستوى فيها المؤمن والكافر وهي ان كرمه بنفخه فيه من روحه وعلمه الأسماء كلها وكلمه قبل ان خلقه بقوله ألست بربكم فاسمعه خطابه وأنطقه بجوابه بقوله قالوا بلى وعاهده على العبودية واولده على الفطرة وأرسل اليه الرسل وانزل عليه الكتب ودعاه إلى الحضرة ووعده الجنة وخوفه النار واظهر له الآيات والدلالات والمعجزات والكرامة الروحانية الخاصة ما كرم به أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين من النبوة والرسالة والولاية والايمان والإسلام والهداية إلى الصراط المستقيم